السيد حيدر الآملي

530

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاه ُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَه ُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه ُ لَه ُ نُوراً فَما لَه ُ مِنْ نُورٍ [ سورة النور : 40 ] . لأنّ قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ . . . إشارة إلى الَّذين احتجبوا عن وجوده بوجود الغير وتقيّدوا به ، وما شاهدوه على ما هو عليه ، فإنّ أعمال هؤلاء وأفعالهم وأحوالهم واعتقادهم يكون كسراب بقيعة أي معدومات بأنفسها موجودات بحسبان غيرها بحيث إليه ذلك الغير لم يجده شيئا بل يجده عدما صرفا ولا شيئا محضا ، كما قال : فَجَعَلْناه ُ هَباءً مَنْثُوراً ، وقوله : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاه ُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ مَوْجٌ [ سورة النور : 40 ] . إشارة إلى حال هذا الكافر الَّذي شاهد الغير مع وجوده ، وتقديره : أنّ هذا الكافر مع هذا النّظر والاعتقاد والأعمال في ظلمات بحر التعيّنات والتقيّدات المعدومة في نفس الأمر يغشاه موج أي يغشاه موج التعيّنات الخارجيّة ساعة فساعة ويستغرقه في ظلمات بحر العدم وظلمات وبحر الطبيعة الكلَّيّة الَّتي لا نهاية لها ليحجبه عن مشاهدة الوجود المطلق المعبّر عنه بالحقّ تعالى جلّ ذكره ويبقى هو في الحجاب أبدا دائما . وقوله : من فوقه سحاب ، أي تراكم التعيّنات الغير المتناهية وظلمتها الَّتي هي كالسّحاب بالنّسبة إلى شمس الوجود الحقيقي ظلمات بعضها فوق بعض أي تعيّنات بعد تعيّنات وأمواج بعد أمواج إلى غير نهاية وهي على ثلاثة مراتب : ظلمة محجوبيّته عن الحقّ بنفسه وأنانيّته . وظلمة محجوبيّته عن الحقّ بتعيّنات عالم الملك . وظلمة محجوبيته عن الحقّ بتعيّنات عالم الملكوت . بحيث إذا أخرج يده لم يكد يراها ، أي بحيث إذا أراد أن يخرج من هذه الظَّلمات لم يتمكّن من شدّتها وصعوبتها وغلظها لأنّ الإخراج من الظَّلمات مطلقا موقوف على حصول النّور الَّذي هو ضدّها خصوصا الظَّلمات المذكورة ، لأنّ الإخراج منها بلا نور من اللَّه تعالى لا يمكن أصلا ، وإليه الإشارة بقوله عقيبه فمن لم يجعل اللَّه نورا فماله من